ألوان ونكهات من مراكش

هي واحدة من أرقى الوجهات في شمالي أفريقيا، وأهمّها بالنسبة للكثير من المشاهير والذوّاقة، وقد خطت نحو العالمية بفضل سحرها المُنبعث من معالمها الأثرية، وأحيائها العتيقة، ونُزل الرياض الخلّابة فيها،وفنادقها المزخرفة

قيل عنها إنّها المدينة الجامعة بين حَرٍّ وظل ظليل، وثلج ونخيل، فهي تقع في وسط الصحراء وتتاخم القمم الثلجية. وما أجمل وصف المفكّر ابن المؤقت المراكشي لهذه المدينة حين قال: «مراكش مدينة عظيمة… فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، بسيطة الساحة، ومستطيلة المساحة، كثيرة المساجد، عظيمة المشاهد، جمعت بين عذوبة الماء، واعتدال الهواء، وطيب التربة، وحسن الثمرة».

كما قد صنّفها موقع السياحة العالمي TripAdvisor العام الماضي سادس وجهة سياحية على المستوى العالمي وجاءت قبل مُدن سياحية شهيرة كاسطنبول وبرشلونة وشيكاغو.

ومع طبيعة مناخها الصحّي بالإضافة إلى حسن ضيافة أبنائها وطبعهم الفكاهي، كنت سأجهل المغرب إن سافرت إليها ولم أزر مدينتها الحمراء، حيث اختبرت تجربة لا تُنسى فيها.

مراكش

حدائق أكدال التي تبدو كما لو أنّها لا تنتهي؛

الرياض بدل الفندق

تميّز مراكش نفسها عن باقي المدن بمجموعتها الخاصّة من فنادق البوتيك الجذّابة، ففي هذه المدينة، يحجز الذوّاقة إقامتهم في الرياضات، وهي بيوت خاصّة حُوّلت إلى أماكن للضيافة تشعركم بالدفء والأناقة وتُتيح لكم الانفراد بأنفسكم في باحة منعزلة تتوسّط الرياض ويزيّنها جمال الحدائق الطبيعي. وقد أدهشتني لمسات الضيافة الساحرة، من الفطائر اللذيذة وبتلات الورد المتناثرة في غرفتي إلى الوسائد المطرّزة على حافّة البركة. وفي قلب المدينة العتيقة، تجدون «رياض الموسيقى» محافظاً على طرازه المغربي التقليدي بينما يزيد تألّقاً مع لمسة من الأناقة الإيطالية ومطبخه الذي لا يُعلى عليه. وحاله حال «رياض بيتي» الذي يؤمّن لكم ملاذاً أكثر بساطة وديكوراً دافئاً وعصريّاً في منطقة الملّاح. ولن تبتعدوا كثيراً إن أردتم الإقامة في فندق شهرزاد الذي لا يُعتبر رياضاً بكلّ ما للكلمة من معنى، بل منزلاً قديماً تمّ ترميمه وتحويله إلى فندق جميل تختلف أسعاره باختلاف نوع الغرفة. ولإقامة أكثر تشويقاً، لا بدّ لكم من النزول في «رياض القاضي» الذي تشعرون فيه وكأنّكم تزورون متحفاً، وذلك لأنّ صاحبه هرويغ بارتلز، السفير الألماني السابق إلى الرباط، متعطّش للفنّ الإسلامي والبيزنطي وحريص على إبراز جمالها في منزله الذي يتألّف من 12 غرفة و5 باحات متّصلة بعضها ببعض. وأخيراً، وسط الأسواق المزدحمة بالمارّة، والعربات التي تجرّها الحمير، والدرّاجات الهوائية والنارية التي تكاد عجلاتها تنفجر لثقل الحمولة، تجدون في ساحة الرحبة القديمة «رياض هِنيَة» الذي يغلب عليه طابع الأنوثة مقارنة بـ«رياض القاضي»، ويتميّز بحديقته الجميلة في الفناء الخلفي حيث يبرز فنّ الزليج أو الفسيفساء المغربي متزيّناً بالزهر الفوشيا.

في أسواق المدينة القديمة

بدأت رحلتي بالتجوّل في أزقّة أسواق مراكش، فكانت نقطة انطلاق رائعة وخاصّة برفقة مرشد سياحي أخذنا في رحلة عبر تاريخ المدينة القديمة وعرّفنا على أسواقها التي قد تضلّون فيها طريقكم من دونه. فأسواقها هي الأكبر في المغرب وشوارعها ضيّقة ومتعرّجة وتعجّ براكبي الدرّاجات المسرعين وتسحركم بإضاءتها الخافتة وألوانها الصارخة، كاشفةً عن الحرفية العالية والطابع المتميّز لصناعات أهلها.

مراكش

استطاعت أسواق هذه المدينة، ومنها سوق البابوش أو الشبشب، أن تجذب كافّة الأذواق

وفي حين تمتدّ إهرامات التوابل على أرضيّة أحد المتاجر، تتدلّى الفوانيس من أسقف متجر مجاور. وفي متجر ثالث، يمكنكم مشاهدة عمّال الجلود وهم يخيّطون حقائب اليد، والصبّاغين وهم يضعون أقمشتهم جانباً لتجفّ ألوانها، وغيرهم من الحرفيّين الذين تتوارث مهاراتهم عبر الأجيال منذ قرون- سواء في سوق البابوش (الشبشب)، أو سوق الحدّادين، أو سوق السجّاد، أو في المدبغة.

وفي حين يمتلئ الشارع الأوّل بسكّان محلّيين يصنعون الأحذية، يمكنكم أن تقصدوا الشارع المجاور حيث تجدون أشهر العلامات التجارية ومختلف التصاميم. ولا تنسوا أن تبحثوا عن منتجات السيراميك، والجلّابيّات المطرّزة، ومناشف الحمّام المغربي المقلّمة، وسجّاد الحرير العتيق والسجّاد المنسوج يدويّاً.

معالم لا يمكنكم أن تفوّتوا زيارتها

لا تدعوا عطلتكم تمرّ من دون أن تزوروا «حديقة ماجوريل» الساحرة التي كان يملكها المصمّم الفرنسي إيف سان لوران وتزخر
بثروة هائلة من نباتات تمّ تجميعها من القارات الخمس، و«مدرسة بن يوسف» التي تعود إلى القرن السادس عشر وتزيد الفسيفساء من رونقها بينما ينتشر خشب الأرز في كل أنحائها، و«قصر باهيا» الباذخ الذي بُني في عهد الدولة العلوية لأحد الوزراء من أجل زوجاته الأربعة، بالإضافة إلى «قصر البديع» حيث تعشّش اللقالق في جدران بقاياه المدهشة بعد أن كان محور تألّق سلالة السعديين في القرن السادس عشر. وكي تروا الزخارف الجدارية وغيرها من الإبداعات الفنّية في مقابر السعديين الشهيرة، عليكم الذهاب باكراً، فهو مكان صغير وسرعان ما يكتظّ بالمجموعات السياحية.

مراكش

ديقة «ماجوريل»، ملهمة الفنّانين العالميين

ومن بين روائع الفن المعماري الإسلامي، تبرز مئذنة مسجد الكتبية المنيرة لتنادي على كلّ هذه المعالم وتستقطب آلاف المصلّين. ويصل ارتفاعها إلى حوالي 67 متراً ويعود بناؤها إلى القرن الحادي عشر. وفي وقت متأخّر من بعد الظهر، يمكنكم الاستسلام للراحة لاستعادة نشاطكم من خلال التوجّه إلى أحد الحمّامات المغربيّة التقليدية التي تستأثر باهتمام المجتمعات الشرقية والغربية وتثير إعجابهم بما تتميّز به من هندسة فريدة وتصميم بديع وعادات علاجيّة لا مثيل لها. ويُذكر أنّ الفنادق الفاخرة تحتوي أيضاً على حمّامات تقليدية خاصّة بها.

ومن عادات السفر إلى مراكش أن تقضوا أمسيتكم في الساحة الرئيسية للمدينة القديمة وهي ساحة جامع الفناء، التي تلعب دور السوق والمطعم الخارجي ومكان تلاقي الناس. وحين وصلت إليها، رأيت الدُخان يتصاعد من أكشاك الطعام، بينما أذهلني صوت الطبول التي كانت تقرعها عشرات الفرق المختلفة وترافق خطواتي بين سحرة الثعابين، ورواة القصص، والبهلوانيّين، وبائعي الماء، والأكشاك التي تبيع شاي الجينسنغ، والأصداف المطهيّة على نار هادئة، والحساء لذيذ الطعم وحتّى رؤوس الغنم المطبوخة. والجدير بالذكر أنّ اللوحة الإنسانية التي جسّدت واقع الحياة في هذا المكان على مدى قرون كانت مهدّدة بالزوال، فقام السكّان المحليّون بحملة لإنقاذها ووجدت احتجاجاتهم صدىً دوليّاً، إذ صنّفتها هيئة اليونسكو ضمن روائع التراث الشفوي للإنسانية. ولا تزال هذه الساحة تعجّ إلى يومنا هذا بالزوّار والفنون.

نكهات مراكش

لمحبّي المطبخ التقليدي الأصيل لهذه البلاد، ليس عليكم سوى التوجّه إلى مطعم الفاسيا Al Fassia الشهير حيث يمكنكم أن تجرّبوا طواجن لحم الضأن المتنوّعة التي يُعدّها وفطائر البسطيلة بلحم الحمام والقرفة التي يختصّ بها أهل فاس، المدينة المنافسة لمراكش.

وعندما يحين المساء، تُفرش وليمة في ساحة جامع الفناء حيث يمكنكم الانضمام إلى طابور الناس لتستمتعوا بألذّ الأطباق التقليدية. والأفضل من ذلك أنّه يمكنكم تناول العشاء في مطعم مع ترّاس يطلّ على الساحة. ويقدّم مطعم Les Prémices  طاجين الدجاج، أو الكسكس بأسعار مقبولة.

ثمّ يمكنكم أن تتأمّلوا السوق المزدحم في الأسفل وأنتم تحتسون الشاي أو العصير في مقهى Café des Epices في ساحة الرحبة القديمة. وهناك مطعم تابع لهذا المقهى، Terrace des Epices، في سوق الشريفية ويتطلّب خريطة للوصول إليه لكنّه يستحق عناء البحث لأنّه يتمتّع بإطلالة على مناظر رائعة لجبال الأطلس.

مراكش

مدينة النخيل

هرباً من ضوضاء المدينة

تشتهر مراكش بأسواقها ومبانيها التاريخية التي يغلب عليها اللون الوردي، لكنّ حدائقها الجميلة لا تقلّ شهرة وأهميّة. ومن الباحات الخصبة في رياضاتها إلى الحدائق العامّة الفسيحة في قصورها ومتاحفها، تشكّل هذه المساحات الخضراء ملاذاً للهاربين من صخب المدينة. ومن أقدم هذه الحدائق حدائق أكدال، التي تعود إلى أكثر من 800 سنة وتمتدّ على مساحة شاسعة جنوبي القصر الملكي. وقد بُنيت أيّام الدولة الموحدّية بطريقة معمارية أدهشت العالم آنذاك واعتبرها الباحثون فريدة في عصرها. ويتمّ فتح قسم صغير منها أمام العامّة في أيّام محدّدة من الأسبوع حيث يأتي الزوّار ليطعموا سمك الشبّوط الضخم في حوض الماء القديم، ويتنزّهوا تحت أشجار الزيتون خلال أيّام الشتاء الدافئة، ويستمتعوا بالمنظر المذهل لجبال الأطلس وهي مكلّلة بالثلوج.

وكما أنّ مراكش تسحر زوّارها وتستحق الزيارة، كذلك هي الرحلات إلى المناطق الجميلة المحيطة بها. فلا بدّ أن تشمل عطلتكم رحلة إلى جبال الأطلس وبالتحديد قُرى شعب البربر الأصليين (أو الأمازيغ) حيث تقدّم سكينة حياتهم النقيض التامّ لضوضاء المدينة. ويبعدون حوالي ساعة بالسيّارة، ويمكنكم مثلاً زيارة قرية أمزميز حيث يُقام سوق البربر الشهير كل يوم ثلاثاء، أو التجوّل في القُرى المجاورة والتعرّف على نمط حياة لم يتغيّر منذ قرون وعلى عادات تقليدية لم تتأثّر كثيراً بالعالم الخارجي.•

النص: هناء الديراني

معلومات عن الرحلة

طريقة السفر

يسيّر كلّ من طيران الإتّحاد والخطوط الجوّية الإماراتية رحلات دورية إلى مراكش.

الوقت المثالي للسفر

تُعتبر الفترة الممتدّة بين أبريل ويونيو وبين سبتمبر ونوفمبر الوقت المثالي لزيارة مراكش فحينها يكون الطقس معتدل وعدد السيّاح قليل.

أماكن الإقامة

رياض الموسيقى

رياض بيتي

فندق شهرزاد

رياض القاضي

رياض هِنيَة

المطاعم

Al Fassia

– Les Premices في ساحة جاع الفناء

Café des Epices

Terrace des Epices

 لمزيد من المعلومات

لمزيد من المعلومات حول السفر إلى مراكش، يمكنكم زيارة موقع  المكتب الوطني المغربي للسياحة والموقع التابع لهذا الأخير ومتخصّص للسفر إلى مراكش .

 
Top