مدينة الإنكا الضائعة

في حين تسرق «ماتشو بيتشو» الأضواء على ساحة سياحة استكشاف حضارة الإنكا، هناك مدينة قديمة أخرى ساحرة بقدرها، لكن تخلو من اكتظاظها.

لو أراد طائر الكندور التحليق فوق جبال الأندز البيروفية من «ماتشو بيتشو» إلى «نظيرتها الصغيرة» قليلة الشهرة «شوكي كيراو»، قد يستغرق النسر حوالي 30 دقيقة. لكن في حين قد ينظر إلى آلاف السيّاح في «ماتشو بيتشو»، إلّا أنّ عدد الزوّار في هذه الأخيرة قد لا يتجاوز عدد مخالبه. ويخبرني جوليان كوفاروبياس، أحد المزارعين البالغ 35 عاماً والذي يعيش على طول الدرب المؤدّية إلى «شوكي كيراو»، أنّ السبب بسيط. إذ يقول إنّه يعود إلى مبدأ «الانتقاء الطبيعي»، إلّا أنّ الذين يتمتّعون بلياقة بدنية كافية (وبجنون كافٍ) للانطلاق في الرحلة القاسية التي تمتدّ على مسافة 45 كلم ذهاباً وإياباً إلى «شوكي كيراو»، هم الذين يُكافأون باستكشاف حصن الإنكا من دون أي إزعاج. إلّا أنّ هذا الامتياز يأتي بثمن مرتفع.

البيرو

امرأة محلّية تعمل في حديقتها في «مارامباتا»

إنّه اليوم الأوّل من أربعة أيام أقضيها على درب «شوكي كيراو»، وقد قطعت حتّى الآن 2000 متر من المرتفعات المتغيّرة. فقد تأرجحت حول نباتات الصبّار الشائكة عند ممرّ يعانق المنحدر من «كاتشورا» (على بُعد 3 ساعات ونصف غرب كوزكو)، ونزلت إلى وادي «أبوريماك» الذي يعصف به الهواء بشدّة، وعبرت نهر «أبوريماك» البرتقالي البُنّي اللون، وتسلّقت صحراء عمودية تحت أشعّة شمس لا ترحم. خضت كل هذا لتتسنّى لي فرصة النظر إلى كنز منسيّ عائد لحضارة الإنكا يعتقد علماء الآثار أنّه قد يكون أكبر بثلاث مرّات من «ماتشو بيتشو».
إنّ «شوكي كيراو» (اسم بلغة الكيتشوا ويعني «مهد الذهب») هي نائية، وتقع عالياً في مرتفعات جبال الأندز لدرجة أنّ الغزاة الإسبان لم يجدوها. ولا يُأتى على ذكرها في أيّ من النصوص العائدة للحقبة الاستعمارية، وحتّى يومنا هذا، تمّ تخليص 30 بالمئة فقط منها من غابة مطرية تغمرها الغيوم.
وقد قال لي كوفاروبياس الذي يُعرّف عن نفسه بأنّه مؤرّخ محلّي «لا أحد يعرف القصة الحقيقية وراء «شوكي كيراو». وهو جالس على قطعة أرض مسطّحة يؤجّرها هذا المزارع الكسيح إلى المخيّمين في قرية «سنتا روزا» الصغيرة، راح يفسّر أنّ الأرجح أنّ «شوكي كيراو» كانت الملاذ الأخير لشعب الإنكا مع تدهور الإمبراطورية وفرار العائلة الملكية من كوزكو خلال الثورة التي دامت 40 عاماً ضدّ الإسبان. إلّا أنّه من الممكن أنّها قد كانت مركزاً إدارياً واحتفالياً يصل ما بين كوزكو والأمازون، أو أنّها شكّلت الأراضي الملكية لتوباك يوبانكي الحاكم العاشر لإمبراطورية الإنكا.
يبدو أنّ الأجوبة لا تزال مدفونة تحت تشابك النباتات.

البيرو

بيوت النخبة في «شوكي كيراو»

وفي وقت لاحق من تلك الليلة، نزعت حذاء المشي للاسترخاء تحت ظل شجرة أفوكادو. وفي الأفق البعيد، امتدّت قمم سلسلة جبال «ويلكابامبا» على ارتفاع 5000 متر مثل عمود الستيجوصورس الفقري. ولا شكّ أنّ هذا المنظر المذهل قد لعب دوراً مهمّاً في قرار تأسيس الإنكا لموقع سرّي على هذه الهضاب البعيدة.
لقد استأجرت بغلاً لينقل عدّتي وراح ووصلنا مع دليلي خيسوس أغويري من شركة Trekking Choquequirao إلى المخيّم حيث نصب خيسوس خيمنا وجمعها مع بعضها البعض. ثمّ اختفى في دهاليز حديقة نباتية وعاد ليخرج منها بعد 10 دقائق بعنَين جاحظتَين وخبر مفاجئ. فعلى الطرف الآخر من هضبتنا المغطاة بالأجمة، على بُعد حوالي 300 متر، لمح شيئاً حتّى السكّان المحلّيون نادراً ما يرونه: دبّ أبو نظّارة.
بوجهه الحنطيّ البدين وجسمه الفرويّ الأسود، يبدو دبّ أبو نظّارة (نوع الدببة الوحيد في أميركا الجنوبية) كدبّ دمية أكثر مما هو حيوان مفترس. بالرغم من ذلك، تبادلنا النواظير وشاهدناه عن كثب فيما راح يناور على مسافة آمنة من مخيّمنا. آنذاك فقط انسحبنا إلى خيمنا لأخذ استراحة استحقّيناها بالفعل.
استغرقت في النوم لبض ساعات فقط قبل أن يوقظني أغويري عند الساعة 3:15 صباحاً ويقدّم لي كوباً من شاي الأعشاب المحلّية التي تمدّ بالطاقة وتساعد على تخطّي داء المرتفعات.
وقد بدأت بالمشي صعوداً حتّى ارتفاع 1500 متر نحو الحصن على قمّة الجبل. كانت الساعة الأولى عبارة عن سلسلة من التعرّجات المُدَوّخة اللامتناهية تحت ضوء القمر المضمحل. أمّا الهواء الذي كان منعشاً وجافّاً فأصبح ثقيلاً بشكل تدريجي مع انحسار المراعي لتحلّ مكانها الأدغال العالية الرطبة.

البيرو

تيرّاسات كان شعب الإنكا يستخدمها لزراعة المحاصيل المختلفة

بلغت فسحة وجدت فيها بقرة وحيدة ومررت بقرية «مارامباتا» على رأس الجبل مع تغلغل أشعة الشمس من وراء جبال الوادي، غامرةً سماء الصباح بغشاء أرجواني. كانت «مارامباتا» أكبر بلدة رأيتها منذ مغادرة «كاتشورا»، وكان حجمها وموقعها مفاجئاً جدّاً. إذ كنّا قد ابتعدنا مسافة يومَين عن أقرب طريق وبلغ عدد سكّان تلك القرية حوالي 100 شخص على ارتفاع 3000 متر عن سطح البحر ومنعزلة كلّياً عن التمدّن.
وقد دلّت الديوك المتبارزة ورائحة أفران الحطب على بداية يوم جديد، كغيره من الأيّام المنصرمة بالنسبة إلى أهل «مارامباتا» المتقدّمين في السنّ. وكونها البوّابة إلى «شوكي كيراو»، تضمّ «مارامباتا» مقرّ المحميّة الرئيسي المتواضع الذي هو عبارة عن كوخ صغير يقع في نقطة استراتيجية عند آخر البلدة حيث يُمكن أخيراً رؤية تيرّاسات الموقع الأثري المتهاوية. دفعت 15 دولاراً ولحقت بدرب ملتوية امتدّت على كيلومترَين حول وادي «شونشومايو» الضيّق قبل أن ينجلي باقي «شوكي كيراو» بالكامل على الهضاب العالية.
كان وصولي إلى «شوكي كيراو» مختلفاً عن كل ما اختبرته في مواقع تاريخية أخرى. إذ لم يكن الارتفاع ما غمرني، بل الوحدة. فالسكوت هو فضيلة غالباً ما نفتقدها في تجربة عالمنا المعاصر لعجائب الدنيا، لكن في «شوكي كيراو»، تجدون أنفسكم بحضور الأصوات في أذهانكم فقط وهي تهمس أفكاراً جامحة.
فقد هُجرت مدينة الإنكا هذه في منتصف القرن السادس عشر وكان وجودها معروفاً لأكثر من ثلاثة قرون قبل بدء الترميم والحفاظ عليها في العام 1922. في الواقع، إنّ رحلة التخطيط والمسح إلى «شوكي كيراو» عام 1909 والتي ألهمت البروفسور هيرام بينغام للعودة إلى البيرو في العام 1911 للبحث الأثري الذي قاده إلى إعادة اكتشاف «ماتشو بيتشو».

البيرو

تيرّاسات جدارية اللاما بالحجارة البيضاء

ويعتقد علماء الآثار المعاصرين أنّ معلم «شوكي كيراو» قد خُطّط بعد (وشُيّد بشكل أرضي- كَونيّ بالاتجاه نفسه) نظيره المعلم الاحتفالي ليحتوي على معبد ومبانٍ إدارية تقع حول ساحة مركزية ومساكن مجمّعة في مكان أبعد بقليل. ويبدو جليّاً مستوى التفنّن العالي في الصالات الاحتفالية، و«البرّادات» الحجرية، وقنوات الريّ المتقنة المنحوتة في الحجر.
وبامتداده على ثلاث تلال و12 قطاعاً، يبدو الموقع متناثراً أكثر (ولا يبدو أقل روعة في الصُور) من نظيره الأقدم. وتؤدي سلسلة من الأدراج نزولاً من الساحة الرئيسية إلى المنطقة الأكثر رمزيةً: مجموعة من التيرّاسات المزخرفة بفسيفساء من الحجارة البيضاء على شكل حيوانات اللاما. كما تقود درب أطول إلى تجمّع Casa de Cascada (منزل الشلّال) حيث تجثم مبانٍ حجرية على منحدر بالقرب من شلّال رائع.
فيما كنت أستوعب المنظر من أعلى ساحة، رحت أشاهد الغيوم تجتاح سلسلة الجبال وتحجب الآثار تحتنا وتقتحم المعبد أمامي. شعرت لحظتها بطاقة ملموسة تنبعث من هذا المكان المنعزل.
لا يسع المرء هنا إلا أن يشعر بحماس شبيه بتخيّلات إنديانا جونز، كما لو أنّه يكتشف شيئاً لم يكتشفه أحد من قبل. قد تكشف «شوكي كيراو» عن نفسها زاوية وراء الأخرى، لكنّ الأقسام الأكبر منها تبقى مختبأة تحت غطاء كثيف من الأدغال.
تخيّلوا كيف كانت لتكن زيارة «أنغكور وات» أو «شيتشن إيتزا» أو «ماتشو بيتشو» قبل قرن من الزمن قبل الفرق المعاصرة للمحافظة على المعالم، والطرقات، وقبل وصول حافلات الجولات السياحية. هكذا كانت زيارة «شوكي كيراو»، لكنّ هذا الوضع لن يبقى على حاله لوقت طويل.
قد يصبح سكون «شوكي كيراو» الثمين ذكرى بعيدة بحلول العام 2017 عندما ستكشف الحكومة البيروفية عن نظام عربات أسلاك بكلفة 50 مليون دولار لنقل حوالي 3000 زائر في اليوم إلى هذه «المدينة الضائعة» الأقل شهرة. تُعلّق الآمال على إمكانية تحمّلها قليلاً من عبء السيّاح على «ماتشو بيتشو».
ستنطلق عربات الأسلاك من قرية «كيونيالا» عند آخر وادي «أبوريماك» وستقلّص وقت الرحلة ذهاباً وإياباً من أربعة أيّام مشياً على الأقدام إلى 30 دقيقة فقط على متن عربات غاية في الفخامة. وحتّى إن لم ينطلق مشروع عربات الأسلاك البتة (توقّف المشروع مرّات عدّة)، بات هناك طريق قيد الإنشاء تُوصل السيّاح إلى موقع تخييم عند طرف النهر في «بلايا روزالينا»، فتستغرق الرحلة بذلك يومَين بدل أربعة. وعدت لألتقي بكوفاروبياس في اليوم التالي بعد نزول منحدر أهلك ركبتَي وصولاً إلى «سنتا روزا» وسألته عن رأيه حول إمكانية انفتاح «شوكي كيراو» على العالم الأوسع. كان سريعاً في تذكيري بأنّه من الجيل الخامس من قاطني هذه الهضاب. فكل الجيران هم أقارب. لقد تخطّوا الطقس العاطل والأوقات الصعبة، كاحتلال عصابات Shining Path خلال التمرّد الماوي في ثمانينات القرن الماضي. لقد تعلّموا على مرّ السنين أنّّ كل ما يحتاجونه هو الاتّكال على بعضهم البعض وسيحصلون على المستلزمات الأساسية. وقد فسّر لي قائلاً: «لدينا لحم، وبيض من الدجاج، وسمك من النهر، وسكّر من قصب السكّر، وفواكه وخضار من مزارعنا». مضيفاً: «عندما يكون هناك توازن لا تكون فقيراً، لذا لسنا بحاجة إلى هذا المشروع من الناحية الاقتصادية. لا نريد عربات أسلاك تمرّ فوق بيوتنا». فقبل كل شيء «ما كان ليكون رأي أسلافنا الإنكا حول هذا المشروع؟». •

النص والصور: مارك جوهانسن


معلومات عن الرحلة

طريقة السفر
يسيّر طيران الإمارات رحلات دورية من دبي إلى العاصمة البيرو ليما.

الوقت المثالي للسفر
إنّ الفترة الممتدة بين شهرَي مايو وأكتوبر هي موسم جافّ، مع العلم أنّ الأمطار اليومية هي أمر شائع في أي وقت من السنة.

عناوين الإقامة
تكثر كوسكو بخيارات الإقامة المذهلة، لكن إن كنتم تنوون قضاء ليلة في «كاتشورا»، عليكم الاختيار بين هذَين العنوانَين: Casa Nostra وCasa de Salcantay. كلاهما نزلان يديرهما أجانب ويتمتّعان بمناظر خلّابة مشرفة على الوادي.
نزل Casa Nostra
نزل Casa de Salcantay

لاختيار دليل سياحي
رحلات BioAndean Expeditions
Apus Peru

للمزيد من المعلومات
هيئة السياحة الرسمية Peru Travel

 
Top