كمبوديا من دون زحمة السيّاح

بوجود أكثر من مليونَي شخص يزورون كمبوديا كل عام، في ما يلي نصائح حول كيفية تفادي الحشود على مسار المعالم الدينية القديمة.

كمبوديا

معالم من الحجر


جلسنا نشارك في لعبة معقّدة وكان بجوارنا مجموعة من الفتيات تقهقهنّ من دون هوادة. كنّ يلهونّ بلعبة القفز بحبل مصنوع من العصابات المطاطية الموثوقة بعضها ببعض بترتيب تامّ. للابتكار دور هامّ هنا. فوراءنا شمخ «باكونغ»، أحد أوّل المعالم التي بناها الخمير. لا نبعد أكثر من 15 كلم عن «سيام ريب»، ولكنّنا الأجانب الوحيدين هنا نتشارك صباحنا مع أولاد محلّيين يلعبون في أفنية بيوتهم.تستمرّ السياحة في كمبوديا بالازدهار بسرعة كبيرة. إذ يتزاحم أكثر من مليونَي سائح في السنة على التقاط صورة السَلْفي الأيقونية عند بزوغ الفجر في «أنغكور وات»، أكبر بناء ديني على وجه الأرض. وتُعتبر مشاهدة التموّجات تلوّن السماء مع بزوغ أبراج اللوتس من الظلام وانعكاسها في الخندق المائي أمراً لا بدّ من اختباره، لكن بوجود آلاف المعالم المنتشرة في أنحاء البلاد، من الممكن أيضاً أن تكونوا لوحدكم وسط مئات السنين من الهندسة المعمارية المذهلة. ويستلزم هذا خطّة ووقتاً ودليلاً محلّياً.


سألني شانساراك نوين المعروف بساراك متعجّباً بإنكليزيته الممتازة وابتسامته الخاصة: «تريدين إذاً القيام بعكس ما يقوم به الجميع؟ سأريكي معالم قليلون هم من يزورونها». هناك أكثر من 5000 دليل مسجّل في «سيام ريب» وكنت مسرورة باختيارنا أنا وزوجي شخصاً يتوافق معنا. فخلال تحضيرنا للرحلة، تبادلت الرسائل الإلكترونية مع ساراك بعد أن أوصتني به إحدى صديقاتي. وأنا جالسة في سيّارته المكيّفة، ارتحت للجوئنا إلى حجز دليل للأيّام الخمسة التي سنقضيها في «سيام ريب». كان ساراك وسائقه فيزيت الدقيقان بمواعيدهما يقلّاننا من الفندق ليُعيداننا إليه مساءً.
كنّا نزور خلال الموسم الرطب، لذا صبّ هذا العامل الأوّل في مصلحتنا. وقد فسّر لنا ساراك قائلاً: «هناك عدد أقل من السيّاح الآن بالرغم من أنّها الفترة الأجمل». كما أنّها الفترة الأكثر رطوبة، فالانتقال من السيّارة إلى المعلم أشبه بالانتقال من البرّاد إلى الساونا. ويتمحور درب المعلم العهود حول الضوء، أي حول كيفية إنارته للمنحوتات الغائرة والعتبات الزخرفية. ويُعتبر التوقيت أساسياً لذلك.


حول «سيام ريب»

كمبوديا

معالم من الحجر

وصلنا إلى معلم Ta Promm المحبوب من الكثيرين (غالباً ما يُشار إليه بمعلم أنجيلينا جولي) عند الساعة السابعة والنصف صباحاً حين خيّم سكون مُريب بعض الشيء. لقد شُيّد هذا المعلم في القرن الثاني عشر تكريماً لوالدة «جايافرمان السابع، وقد أوى في ما مضى 12500 شخص وشكّل ملاذاً روحياً للقُرى المجاورة. أمّا اليوم فلم يبقَ منه سوى أطلال بين جذوع أشجار التين الخانقة. وتمتدّ سجّادات طبيعية من نبات الأشنة والطحالب على الجدران حاجبة المنحوتات الغائرة، في حين تتكدّس حجارة عملاقة كألعاب الأطفال. ابتلعتها كلّها الأدغال.
وتُعدّ «شجرة Tomb Raider» التي اشتهرت بفضل شخصية لارا كروفت التي أدّتها أنجيلينا جولي أحد أكثر المواقع المصوّرة في كمبوديا. فقد قال ساراك: «بحلول الحادية عشرة صباحاً، سيصطفّ الناس هنا لالتقاط صورة لهم مع الشجرة». وعدا رجليَن كانا يجوبان الممرّات الضيّقة تحت ضوء الصباح، كنّا الوحيدين هنا، إلّا أنّ ساراك كان على حقّ، فعند مغادرتنا كانت الحافلات قد بدأت بالتوافد الواحدة تلو الأخرى.
إنّ اختبار «أنغكور وات» من دون حشود السيّاح هي مهمّة أصعب بقليل. فكل يوم، يتوافد آلاف السيّاح عبر البوّابة الغربية التي تُعتبر المدخل التقليدي الكبير. ومن دون وجود هواء، كان الهواء خانقاً لكنّ المكان استحقّ العناء. كنت ممتنة للعلبة الباردة المليئة بالمياه الباردة والوجبات الخفيفة التي اصطحبها ساراك. وفيما كانت الحشود تستمتع بموائد السمك في مطاعم «سيام ريب»، أمضينا أربع ساعات نجول على السراديب والممرّات غير المزدحمة نسبياً. وكان مخطّطنا لـ«أنغكور ثوم» مماثلاً. فقد شُيّد هذا النُصب في القرن الثاني عشر. وبعد رؤية «أنغكور وات»، كان من الصعب تخيّل أي معلم أكبر منه وأكثر روعة. كونها شكّلت عاصمة الخمير، وصل عدد سكّان المدينة المحصّنة التي تمتدّ على 10 كيلومترات مربّعة إلى حوالي مليون في أوج ازدهارها. وقد بدأنا جولتنا من «تيرّاس الفيل» في ظلّ هواء الصباح الألطف قليلاً. أمّا الجدار المصنوع من الحجر الرملي الممتدّ على طول 300 متر والمحفور بمشاهد لفيلة مع سائقيها منصّة للمراقبة للملوك فقد تلألأ في ظل ضوء مرقّط. وخلف التيرّاس تقع كتلة Phimeanakas المؤلفة من الأحجار بطبقات وسط الأشجار. تركنا استكشاف معلم «بايون» للساعات الأولى من بعد الظهر. وهنا، راحت وجوه ضاحكة عملاقة محفورة بالحجر تحدّق بنا فيما كنّا نجوب في سرداب شبيه بالدهاليز والممرّات المزنّرة بمنحوتات غائرة تُظهر مشاهد راقصة ونقوش دقيقة. مع وصولنا إلى البوّابة الجنوبية الشهيرة، كان معظم الزوّار قد غادروا فتسكّعنا عند الجدار غارقين في الجوّ الساحر للمكان.


بعيداً عن «سيام ريب»

مع انطلقنا في المغامرة بعيداً، بات من الأسهل زيارة معلم ما من دون وجود سيّاح آخرين. وبأقلّ من ساعة شمالاً، يقع معلم Banteay Srei الرائع والذي يعني «قلعة النساء». وقد اختلف عن المعالم الأخرى، إذ كانت حجارته باللون الزهري الداكن وبدا مغموراً بنور الشمس حتّى في ظلّ الغيوم. كان هذا معلم ساراك المفضّل وقد قادنا بحماس عبر الأسوار والبوّابات (غوبوراس) المزخرفة. وقد فسّر لنا ساراك قائلاً: «إنّ هذه الزخرفات هي دقيقة جدّاً لدرجة يُعتقد أنّه قد نفّذتها أيادي النساء الصغيرة». والزخرفات الدقيقة التي تزيّن سطح كل حجر، يُعتبر هذا المعلم جوهرة فنّ الخمير.
وفي يوم آخر، توجّهنا مسافة ساعتَين إلى «كوه كير» شمالي غرب «سيام ريب». وبين العامَين 928 و944، شكّلت هذه المنطقة عاصمة الخمير الكبرى. أمّا اليوم فكنّا نزورها وسط حفنة من الزوّار. وداخل المنطقة الشاسعة، جلنا بالسيّارة بشكل حلقة وقضينا وقتنا في أربعة مواقع رئيسية.
يُعدّ معلم «براسات برام» حميماً وذات أجواء جميلة. وكونه مخبّأ وسط الأدغال، خُنقت الأبراج الثلاثة ومكتبتان بجذور الأشجار والنباتات المعرشة. كما أنّ أحد المداخل قد أصبح مسدوداً بالكامل بوجود كومة بارزة من النمل الأبيض.


كمبوديا

داخل أحد ممرّات معلم «تا بروم»؛ معلم «بنغ مياليا»؛ شُيّد «بانتيا سراي» بالحجر الرملي الزهري.

وعلى بُعد بضعة كيلومترات يقع معلم «براسات توم» الرئيسي في «كوه كير». وما وراء الجدار المغطى بنباتات الحزّاز يقع هرم بسبعة مناضد وبطول 40 متراً وشكل مثالي. وبوجود نباتات خضراء تتدلّى من كل مستوى من مستويات الهرم، بدا كحدائق على شكل تيرّاسات. كان من الصعب التصديق بأنّ الناس كانوا يصعدون ثمّ ينزلون هذه الأدراج الحجرية شبه العمودية المتداعية الآن. وعندما اقترح ساراك التسلّق إلى أعلى الهرم، ظننت أنّها واحدة من نكاته الكثيرة، لكن في غضون دقائق، صعدنا سلالم خشبية متينة مخبّأة في خلف البناء الذي شُيّد لتصوير فيلم مؤخّراً. ومن الأعلى، كان المنظر خاطفاً للأنفاس، فقد اندمجت ظلال من الزمرّد والأخضر الصارخ ببحر من الخضار الجميل.
في طريق العودة إلى «سيام ريب»، توقّفنا في «بنغ مياليا» الذي ينافس معلم «تا بروم» لكونه يذكّر أكثر من نظيره بمغامرات إنديانا جونز. وقد شُيّد هذا المعلم بالأسلوب نفسه الذي شُيدّ فيه «أنغكور وات». وكونه مغطّى بنباتات الحزاز ومخنوقاً بالأدغال، كان مظلماً وغامضاً ورومانسياً في الوقت عينه. وقد رحنا نتسلّق الصخور البارزة فيما راح السكّان المحلّيون يرعون مواشيهم على أراضي المعلم الخضراء.


أبعد بكثير من «سيام ريب»

صدق المثل القائل «ختامها مسك»، حتّى في كمبوديا. وبالرغم من أنّ كلّ معلم من معالمها هو تحفة فنّية أثرية رائعة الجمال بحدّ ذاتها، إلّا أنّ ساراك قد حضّر لنا مفاجأة أخيرة كان لها مفعولها الخاطف للأنفاس. فقد قال لنا: «سنقود لمسافة أربع ساعات ذهاباً، وأربع ساعات إياباً، ولا تنسوا اصطحاب جوازت سفركم معكم».
بالرغم من أنّنا لم نقطع الحدود التايلندية، إلّا أنّنا كنّا على بُعد 100 متر فقط من الحدود داخل الأدغال. بعد سنوات من النزاعات بين البلدَين على الموقع المدرج على لائحة التراث العالمي لليونسكو، بات من الآمن للسيّاح مؤخّراً زيارة موقع «بريا فايهير». فقد شُيّد هذا المعلم في القرن التاسع بأسلوب «أنغكور وات» ويمتدّ على قمّة جبل على علوّ 625 متراً، مع العلم أنّه يُعرف بـ«المعلم في السماء». بوجود خمس بوّابات ومسارح زخرفية مفتوحة وسراديب لاستكشافها، رحنا نمشي بسرعة أكبر. وكان كل سور يؤدّي إلى سور آخر فيما كنّا نتسلّق نحو القمّة. وقد قادنا سُلّم نحو معلم متناهي الصِغَر. وعندما زحفت داخل المعلم، استقبلني ثلاثة شبّان بابتسامة عريضة. كانوا محاطين بألف سنة من التاريخ وكانوا يلعبون على لويحة الآيباد. نظرت في عيونهم ورأيت فيها الماضي ومستقبل كمبوديا في آن.•

كمبوديا

عندما يتوقّف الزمن“يعلو هرم «براسات توم» 40 متراً ويمتدّ على سبع مستويات”.

النص والصور: جوسلين برايد


معلومات عن الرحلة: 

طريقة السفر
يسيّر كلّ من الاتحاد للطيران وطيران الإمارات رحلات دورية من أبوظبي ودبي إلى العاصمة الكمبودية «بنوم بن».

الوقت المثالي للسفر
إنّ مناخ كمبوديا هو حارّ واستوائي على مدار السنة. ويُعتبر الموسم الرطب (من يونيو إلى سبتمبر) خارج مواسم الذروة السياحية. إن كنتم تستطيعون تحمّل الرطوبة وبعض العواصف الرعدية المتفرقة (في أواخر فترة بعض الظهر عادةً)، ستُكافأون برحلة أقل ازدحاماً بالزوّار وبنباتات غنّاء. تمتدّ الفترة الأكثر رواجاً للزيارة بين شهرَي نوفمبر ومارس عندما يكون الطقس ألطف وأكثر استقراراً. وتوقّعوا اختبار طرقات مغبرة ومعالم مزدحمة.

التنقّل في أرجاء المكان
يرتدي كل الأدلّاء المسجّلين في «سيام ريب» اللباس نفسه. سواء قرّرتم التنقّل بسيّارة أو توك توك أو باص أو على درّاجة، سيعزّر الدليل المحلّي تجربتكم من دون أدنى شكّ.

عناوين المطاعم
– إنّ Marum هو جزء من مجموعة TREE (مطاعم التدريب للتوظيف والريادة في الأعمال)، ومن خلال تناول الطعام هنا، تساعدون ضمان مستقبل نجم صاعد/نجمة صاعدة في عالم المطبخ. 
– سيعشق الذوّاقة المغامرون مقهى Bugs Café.

– أمّا لعشّاق الثقافة الفرنسية فهناك Le Malraux.
– عليكم الحجز مسبقاً للحصول على طاولة في Wat Damnak الذي هو عبارة عن مزيج بين مطبخَي الخمير وذاك الفرنسي باستخدام منتجات محلّية.
– إنّ Red Piano هو حيث يمكنكم أنّ تحتسوا شراب Tomb Raider الذي شهرته أنجيلينا جولي.

نصائح حول السفر
احرصوا على حمل زجاجة ماء معكم طوال الوقت والشرب باستمرار.

 

 
Top